السيد محمد باقر الصدر

313

بحوث في علم الأصول

ولعلّ أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السّلام قد عملوا بهذه العمومات باعتبار كونهم متشرعة وليس باعتبار كونهم عقلاء ، والقدر المتيقن من حجية هذه العمومات حينئذ ، هو ما لو فحص عن المخصص ولم يجده . وهذا الوجه يختلف عن الوجه الأول ، حيث انّ الأول كان يدّعي تنزيل المخصص المنفصل منزلة المخصص المتصل ، بينما يدّعي هذا الوجه ، انّه لا يوجد موقف للعقلاء يبنون فيه على حجية عمومات المتكلمين الذين يكثرون من الاعتماد على المخصصات المنفصلة ، لا سيّما وانّهم لا يعتمدون على المخصصات المنفصلة إلّا نادرا ، ومعه ، فلا حجية لعموماتهم لا قبل الفحص ولا بعده . وهذا الوجه ، يتناسب مع مختار المحقق الأصفهاني ( قده ) في السيرة العقلائية ، حيث انّ الاستدلال بالسيرة العقلائية فيه مسلكان . 1 - المسلك الأول : وهو مسلك الأصفهاني ( قده ) « 1 » حيث ادّعى انّ الاستدلال بالسيرة ، دائما يكون بسلوك العقلاء نفسه ، وتصرفهم الخارجي في مقام العمل بنحو القضية الخارجية الفعلية ولم يردعهم الشارع عن ذلك . 2 - المسلك الثاني : وهو المختار عندنا ، وحاصله هو ، إن العبرة بحجية السيرة ، ليس بالسلوك ولا بالبناء العملي والتصرف الخارجي للعقلاء ، وإنما العبرة بحجية السيرة هي ، بما يستبطنه هذا السلوك العقلائي من تشريعات وإمضاءات للعقلاء . وهذا الخلاف ، يترتب عليه ثمرات مهمة وكثيرة ، ذكرناها في بحث السيرة ، لكن نذكر منها : إن عقليّة السيرة كانت قائمة على أن من حاز شيئا ملكه ، وانّ الشارع أمضى هذا البناء . فهنا ، على مسلك المحقق الأصفهاني ( قده ) ، يختص هذا الإمضاء بحيازة ما كان متعارفا حيازته ، أو ما سلك حيازته العقلاء في الزمن السابق من

--> ( 1 ) نهاية الدراية - ج 2 - الأصفهاني - ص 197 - 198 .